مجموعة مؤلفين
11
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
أثرها في القلب . وهذا هو المنهج الذي التزمه في كتاب « الفتوحات » فيما عالجه في الجزء الأول منه في مسائل الفقه كالصلاة والصيام والزكاة والحج والطهارة ونحو ذلك . وقد كان في عزمه أن يضع كتابا كبيرا يذكر فيه مسائل الشرع كلها كما وردت في ظاهرها ، فإذا استوفى المسألة الشرعية في ظاهر الحكم ذكر إلى جانبها حكمها في باطن الانسان ، فيسرى حكم الشرع في الظاهر والباطن ، في الجوارح والقلب معا « 1 » . وأغلب الظن أنه لم يؤلف هذا الكتاب ؛ ولكن فيما ذكره من هذا القبيل في كتابي « الفتوحات الملكية » و « الفصوص » ما يكفى لتوضيح هذا المنهج الذي يدل دلالة قاطعة على أنه لم يكن ظاهري المذهب في العبادات كما يقال ، بل كان ظاهري المذهب في العبادات مع الظاهريين ، باطني المذهب مع الباطنيين ، وكان إلى الباطنيين أقرب ، لأنه كان فقيها وصوفيا ، وكان أدنى في فهمه للدين إلى الصوفية منه إلى الفقهاء الظاهريين . وفيما يذكره من دقائق الأسرار الروحية في شرحه للعبادات شاهد على ذلك . وهو يبنى تأويله لآيات العبادات على أساس أنه لا تعارض بين معناها الظاهر ومعناها الباطن ، وأن المؤوّل يرتفع بالمعنى الظاهر إلى مستوى أعلى وأعمق روحانية ، لأن ذلك أشد اتصالا بنفس الإنسان وقلبه . والإنسان مؤلف من نفس وبدن ، وكلاهما في نظر ابن عربى مخاطب بالتكليف . أما تأويله لآيات الاعتقاد فقد وجدت أكمل صورة له في كتابه « فصوص الحكم » ؛ فإنه لم يشأ أن يشرح مذهبه في هذا الكتاب على أساس فلسفي ، أو فلسفي صوفي ، بعيد الصلة بنصوص القرآن والحديث ، بل اتخذ من هذه النصوص سياجا لأفكاره وإطارا ينسج فيه خيوط مذهبه ، وأخضعها لمنهج خاص من التأويل مستساغ أحيانا ، وغير مستساغ أحيانا أخرى ؛ واستخلص منها كل ما أراد استخلاصه من المعاني التي ينطوى عليها مذهبه في وحدة
--> ( 1 ) راجع الفتوحات ، ح 1 ، ص 427 .